الشوكاني
531
فتح القدير
ذلك من المخالطة لهم والدخول عليهم ، ونحو ذلك مما لا بد منه ، ولا محيص عن هذا الذي ذكرناه من وجوب طاعتهم بالقيود المذكورة لتواتر الأدلة الواردة به ، بل قد ورد به الكتاب العزيز - وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم - بل ورد أنهم يعطون الذي لهم من الطاعة ، وإن منعوا ما هو عليهم للرعايا كما في بعض الأحاديث الصحيحة " أعطوهم الذي لهم ، واسألوا الله الذي لكم " بل ورد الأمر بطاعة السلطان ، وبالغ في ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى قال " وإن أخذ مالك وضرب ظهرك " . فإن اعتبرنا مطلق الميل والسكون فمجرد هذه الطاعة المأمور بها مع ما تستلزمه من المخالطة هي ميل وسكون ، وإن اعتبرنا الميل والسكون ظاهرا وباطنا فلا يتناول النهي في هذه الآية من مال إليهم في الظاهر لأمر يقتضي ذلك شرعا كالطاعة ، أو للتقية ومخافة الضرر منهم ، أو لجلب مصلحة عامة أو خاصة أو دفع مفسدة عامة أو خاصة ، إذا لم يكن له ميل إليهم في الباطن ولا محبة ولا رضا بأفعالهم . قلت : أما الطاعة على عمومها بجميع أقسامها حيث لم تكن في معصية الله ، فهي على فرض صدق مسمى الركون عليها مخصصة لعموم النهي عنه بأدلتها التي قدمنا الإشارة إليها ، ولا شك في هذا ولا ريب ، فكل من أمروه ابتداء أن يدخل في شئ من الأعمال التي أمرها إليهم مما لم يكن من معصية الله كالمناصب الدينية ونحوها إذا وثق من نفسه بالقيام بما وكل إليه ، فذلك واجب عليه فضلا عن أن يقال جائز له ، وأما ما ورد من النهي عن عن الدخول في الإمارة ، فذلك مقيد بعدم وقوع الأمر ممن تجب طاعته من الأئمة والسلاطين والأمراء جمعا بين الأدلة ، أو مع ضعف المأمور عن القيام بما أمر به كما ورد تعليل النهي عن الدخول في الإمارة بذلك في بعض الأحاديث الصحيحة ، وأما مخالطتهم والدخول عليهم لجلب مصلحة عامة أو خاصة أو دفع مفسدة عامة أو خاصة مع كراهة ما هم عليه من الظلم وعدم ميل النفس إليهم ومحبتها لهم ، وكراهة المواصلة لهم لولا جلب تلك المصلحة أو دفع تلك المفسدة فعلى فرض صدق مسمى الركون على هذا ، فهو مخصص بالأدلة الدالة على مشروعية جلب المصالح ودفع المفاسد . والأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، ولا تخفى على الله خافية ، وبالجملة فمن ابتلى بمخالطة من فيه ظلم فعليه أن يزن أقواله وأفعاله وما يأتي وما يذر بميزان الشرع ، فإن زاغ عن ذلك " فعلى نفسها براقش تجنى " ومن قدر على الفرار منهم قبل أن يؤمر من جهتهم بأمر يجب عليه طاعته فهو الأولى له والأليق به . يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين ، اجعلنا من عبادك الصالحين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر الذين لا يخافون فيك لومة لائم ، وقونا على ذلك ويسره لنا ، وأعنا عليه . قال القرطبي : في تفسيره : وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي بحال الاضطرار انتهى . وقال النيسابوري في تفسيره : قال المحققون : الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة ، أو تحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم ، ومشاركتهم في شئ من تلك الأبواب ، فأما مداخلتهم لرفع ضرر واجتلاب منفعة عاجلة ، فغير داخلة في الركون . قال : وأقول هذا من طريق المعاش والرخصة ، ومقتضى التقوى هو الاجتناب عنهم بالكلية - أليس الله بكاف عبده - انتهى . قوله ( فتمسكم النار ) بسبب الركون إليهم ، وفيه إشارة إلى أن الظلمة أهل النار ، أو كالنار ، ومصاحبة النار توجب لا محالة مس النار ، وجملة ( وما لكم من دون الله من أولياء ) في محل نصب على الحال من قوله : فتمسكم النار . والمعنى : أنها تمسكم النار حال عدم وجود من ينصركم وينقذكم منها ( ثم لا تنصرون ) من جهة الله سبحانه ، إذ قد سبق في علمه أنه يعذبكم بسبب الركون الذي نهيتم عنه فلم تنتهوا عنادا وتمردا . قوله ( وأقم الصلاة طرفي النهار ) لما ذكر الله سبحانه الاستقامة خص من أنواعها إقامة الصلاة لكونها رأس الإيمان ، وانتصاب طرفي النهار على الظرفية ، والمراد صلاة الغداة والعشي ، وهما الفجر والعصر ، وقيل الظهر موضع العصر ، وقيل الطرفان الصبح والمغرب . وقيل هما الظهر والعصر . ورجح ابن جرير أنهما الصبح والمغرب قال : والدليل عليه إجماع